Skip to main content

توصف كمالا بأنها مرشدة لحركة فنية عُرفت لاحقا باسم "المدرسة الكريستالية"

تقول كمالا إن الأمر ابتدأ بعد أن قدمت لوحة كبيرة بطول 3 أمتار ونصف "عرضت في المتحف القومي تصور "15 كرة كريستالية" فيها تدرجات لونية وكانت تمثل ما يشبه علاقة الحياة بين الإنسان والنبات، ثم عرضت في عام 1977 في واشنطن في متحف الفن الأفريقي المعاصر".
وتضيف "ثم قام بعض طلبتي بكتابة مانيفستو أسموه المدرسة الكريستالية يُنظّر لهذا النوع من التشكيل. ثم بدأوا هم يعملون بنفس الفكرة والأسلوب و دون انتاج أعمال مشابهة".
يقول البيان، الذي وقعه إلى جانب كمالا محمد شداد ونائلة الطيب وهاشم إبراهيم وحسن طه، وكتب بلغة نظرية تبدو مشوشة وتحمل الكثير من العمومية "إن جوهر الكون بمثابة مكعب بلوري كامل الشفافية وأبدي التحول، يتغير باختلاف موقف المشاهد. يقبع الإنسان أسيرا داخل هذا المكعب البلوري الشفاف بانتظار مصير عبثي المآل".
ويخلص البيان، الذي نشر في صحيفة الأيام مطلع عام 1976، إلى ضرورة إيجاد نظرة شفافة بإزالة الحجب التي تغلف الإنسان، فهو "نفسه مشروع كريستالة تمتد في داخله إلى ما لا نهاية".
ومن الواضح أن البيان محاولة للحاق بروح العصر حينها وفيه تأثرات واضحة بالفلسفة الوجودية والحركات الفنية الطليعية الأوروبية وتحديدا أصداء ظهور الفن المفاهيمي في الولايات المتحدة في أواخر الستينيات، ومحاولة للتميز عن مسار مدرسة الخرطوم كما يصفه د صلاح محمد حسن، الذي يشير إلى أن جل اهتمام "الكريستاليين يركز في العمل على وضع فكرتي (التحول) و(الصيرورة) في مقدمة اهتمام الفن التشكيلي كقوى جوهرية بديلا عن سيادة (السودانوية) التي تركز على أيديولوجيا (العودة إلى الأصل) التي تفردت بها مدرسة الخرطوم على مستوى الأسلوب والجماليات".

تشكل التجربة الروحية مصدرا ثرا لكمالا، التي تعترف بتأثرها بأعمال الفنان والشاعر الإنجليزي وليم بليك. وتعيد هذا التأثر إلى فترة دراستها في الكلية الملكية للفنون في بريطانيا في منتصف الستينيات، حيث اعتادت أن تزور متحف "تيت" لمشاهدة أعماله.
وبدأ هذا الاهتمام من نصيحة من أستاذها في الكلية الذي وجهها أن يكون موضوع بحث تخرجها في موضوعة المقارنة بين تجربة "الاستحواذ الروحي" لدى وليم بليك والنساء السودانيات في جلسات "الزار".
تقول إنها عادت إلى السودان إثر هذه النصيحة لمدة ثلاثة أشهر لعمل دراسة ميدانية تقارن بين التجربة الروحية المستخدمة للعلاج في جلسات الزار وتجربة وليم بليك الروحانية. وقد شكل هذا التركيز على البعد الروحي أحد مصادر تجربتها الفنية لاحقا إلى جانب استحضار عناصر طقسية أخرى من جذور أفريقية أو صوفية إسلامية.
ولعل المدقق في لوحات كمالا يتلمس بوضوح نوعا من النزوع الصوفي الواضح وتلميح إلى وحدة الوجود عبر تلك الاشكال المتداخلة بين البشر والشجر. فالأجساد البشرية تستطيل لتخرج منها أشجار، كما تكتسي الأشجار بملامح بشرية، من النساء في الغالب، أو كما تقول كمالا إنها دورة واحدة "الإنسان والنبات وحدة واحدة، وعندما يموت الإنسان يكون سمادا لينمو نبات ثانٍ".
ويترافق هذا النزوع الصوفي مع اهتمام كبير بالفلكلور الشعبي الغني في بلد متنوع مثل السودان، فتستلهم كمالا في أعمالها أشكالا من الزخارف والنقوش والمطرزات الشعبية السودانية، لاسيما تلك التي تنتجها المرأة السودانية.
وعن ذلك تقول "يمثل التراث الفلكلوري بالنسبة إلي الكثير، فأنا منه. وفي السودان تنوع فلكلوري كبير: تجد النساء في الشمال يُزخرفن البيوت من الداخل ومن الخارج. والنساء في غرب السودان لهن طريقة مختلفة في الزخرفة، إذ يستخدمن السعف ويقدمن أعمالا جميلة جدا. ولدي بعض المجاميع من هذه الأعمال. وفي الجنوب والشرق يستخدمنَ الخرز الملون لصنع أعمال جميلة . أنا في مجتمع تعمل النساء فيه على وجه الخصوص أعمالا جميلة".
ولا يتوقف استلهام كمالا للتراث السوداني عند الفلكلور بل يعود إلى جذور الحضارات القديمة ورموزها التي اكتشفتها خلال عملها في إعادة رسم وترميم الآثار السودانية، إذ عملت لأكثر من سنة مع المتحف القومي والبعثات الآثارية في إعادة رسم الآثار السودانية لمراحل "ما قبل التاريخ وتاريخ حضارة مروى والممالك المسيحية" في السودان وترميم النقوش البارزة في المعابد الأثرية.
وتسعى كمالا إلى مزاوجة هذه الأشكال والعناصر المستلهمة من التراث القريب والتاريخ البعيد مع روح الحداثة المعاصرة.
تصف كمالا مصادر فنها تلك بـ "المخزون الاستراتيجي "، إذ تقول: "ما عشته في مجتمعي وحياتي وما رأيته بالطفولة هو مصدر كل ما أرسم. أحيانا أرسم حاجات أتذكرها من الطفولة. مررت في حياتي بأشياء كثيرة وأحداث وأحاجي وأساطير وهي التي تؤثر في عملي الفني. وهذا ما أسميه المخزون الاستراتيجي".
بيد أنها لا تتوقف عند تلك المصادر التاريخية او الفلكلورية أو الرموز القبلية العميقة، بل تنهل حتى من تجاربها اليومية التي تغلفها أحياناً ببعد أسطوري. على سبيل المثال تمتاز الأشكال البشرية في لوحاتها بنوع من التشويه أو التشويش البصري أحياناً. تشرح لنا ذلك بقولها "عندما كنت أستقل قطار الأنفاق في لندن ويدخل في النفق، أرى الوجوه في الزجاج الذي أمامي مشوهة. تلك كانت بالنسبة لي تجربة مدهشة وغريبة واستلهمتها في بعض أعمالي".
في قرار منحها جائزة الأمير كلاوس، التي ستتسلمها في حفل ديسمبر/كانون الأول المقبل، قالت لجنة الجائزة: "بقيت إسحاق ناشطة في تنظيم معارض مع فنانات من أجيال شابة، وبالتالي كانت مساهمتها في الحركات الاجتماعية الراهنة، حيث تلعب النساء دوراً مركزياً مرئياً. واستمرت في دورها كمحَفّز ثقافي وقوة ملهمة بين جيل الفنانين السودانيين الشباب".
لا شك أن المرأة تقع في صلب اهتمام ونشاط كمالا الفني والتعليمي والاجتماعي، وفي قلب لوحاتها التي تمتلئ بوجوه النساء المحاطة بالأشجار أو المختلطة معها. بيد أن هذا الاهتمام ينطلق من صميم تجربتها الوجودية كامراة في المجتمع السوداني وليس من نزعة نسوية نظرية تستلهم مفاهيمها في عملها الفني.
عن ذلك تقول كمالا: " لا أفرق في الفن بين فنان رجل أو امرأة، ثمة عدد كبير من الفنانين الرجال. الآن بدأ عدد كبير من النساء والفتيات يدخلن كليات الفنون ويقدمن أعمالا جميلة جداً، لكن إلى جانب زملائهن الفنانين. جنس الفنان ليس مهماً، والمهم هو العمل الفني نفسه ومدى نجاحه أو فشله".
لا تبحث كمالا عن الهوية خارجها، فهي لا تشكل فكرة خارجية تسعى لاكتشافها أو تأكيدها، بل تجربة وجودية خالصة تعيشها. لذا لا تشكل العلاقة مع الآخر، والغربي المتقدم تحديداً، عقدة لديها، بل مدخلاً للمثاقفة واكتشاف الذات.
وهي إذ جاءت للدراسة في الشمال (الغرب) والنهل من فنونه وحداثته، عادت إلى شرقها لتنهل من طقوسه ورموزه وأشكاله وتجربته الروحية الثرية وتصبها في قوالب حديثة، وكأنها بعودتها هذه إلى الجنوب قلبت عنوان رواية مواطنها الأديب المعروف الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال". وعاد الشمال اليوم ليتوّجها بإحدى أبرز جوائزه.

Comments

Popular posts from this blog

هل يمكننا السيطرة على غضبنا أكثر مما نعتقد

لفهم الغضب، نحتاج إلى التفكير بما يفعله لنا من الناحية الفسيولوجية، وكيف يجعلنا نتصرف ونفكر، أو بتعبير أكثر دقة، كيف يجعلنا لا نفكر. يُجري رئيس برنامج علم النفس بجامعة ويسكينسين غرين باي في الولايا ت المتحدة الأمريكية، البروفيسور ريان مارتن أبحاثا عن الغضب كما يقدم برنامجا اذاعيا يدعى "أل ذا ريج" يبث عبر خدمة الـ "بود كاست". ويقول البروفيسور "عندما تغ ضب، يبدأ نظامك العصبي الودي (السمبثاوي)، الجزء المسؤول عن الشج ار أو الهرب، بالعمل، فيزداد معدل ضربات قلبك، ويزيد معدل تنفسك، وتبدأ بالتعرق ويتباطأ عمل جهازك الهضمي". تهدف ردة فعل الجسم الفسيولوجية هذه إلى تنشيطك للرد على أي ظلم تشعر به، في حين يستمر الدماغ في القيام بعمله. ويضيف البروفيسور ما رتن "نحن نعلم أيضًا أنه عندما يشعر الناس بالظلم أو الخطر، فإن أفكارهم تميل إلى أن تكون أكثر انغلاقا إلى حد ما، فإنهم يركزون أكثر على البقاء أحياء أو على الانتقام ". و أنت إذاً لا تريد أن تفكر في أشياء أخرى إذا كنت تحاول ال رد على هذا الظلم، ويعد ذلك جزءاً من التطور أيضًا. 4. لماذا يمكن للحياة ال...

Incendio di Villa Antona Traversi, l'erede della casata: "Ho perso tutto"/ FOTO

Meda (Monza Brianza), 6 settembre 2017 - "Ho perso praticamente quasi tutto. In una sola volta ho perso il mio lavoro e la mia casa contemporaneamente. Mi sono rimasti solo i miei familiari che fortunatamente non si sono feriti. Mi devo consolare con questo. La parte più artisticamente rilevante si è salvata". Giovanni Antona Traversi, l’avvocato, è visibilmente scosso. In camicia con un giubino sportivo slacciato ci fa accomodare nella limonaia, la parte della villa che da sul giardino a semicerchio. Sprofonda piano in un divanetto appoggiato alla parete. "Il Comune di Meda ha emesso un’ordinanza di inagibilità che riguarda tutto il complesso. L’area dei tetti interessata dall’incendio è molto ampia: oltre 60 metri lineari che sono andati distrutti - ha spiegato l’avvocato, figlio del Conte Luigi morto per un malore nel 2014 -. Tutti quelli che erano presenti in casa si sono salvati: io, mia moglie, i miei due figli e mia mamma, (Donna Federica, ndr)". "L...